الشيخ محمد النهاوندي
73
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
كَيْداً وإساءة إليك في الخفاء منك ، كالقتل والحبس والاخراج من البلد ، أو حيلة وتدبير سوء في إطفاء نورك والاخلال في أمر رسالتك ؟ فَالَّذِينَ كَفَرُوا وأنكروا رسالتك هُمُ الْمَكِيدُونَ ومستحقّون لما ينزل بهم من العذاب غفلة وبغتة ، أو هم الذين يعود إليهم وبال مكرهم وكيدهم من القتل والعذاب بعلّة كفرهم ، لا من يريدون أن يكيدوه ، فانّه المنصور من اللّه قولا وفعلا وحجّة وسيفا ، أو هم المغلوبون في الكيد ، ألهم صبر على ما ينزل عليهم من العذاب أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يحرسهم منه ؟ سُبْحانَ اللَّهِ وننزّهه ( عن ) شركة ما يُشْرِكُونَ به ، أو عن إشراكهم . [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 44 إلى 47 ] وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ ( 44 ) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ( 45 ) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 46 ) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 47 ) ثمّ بيّن كيفية نزول العذاب عليهم غفلة وبغتة بقوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا حين انقضاء مدّة إمهالهم كِسْفاً وقطعة من العذاب ، نازلا عليهم مِنَ السَّماءِ أو قطعة منها ، ساقِطاً عليهم يَقُولُوا من فرط الغفلة : هذا الذي نرى سَحابٌ غليظ مَرْكُومٌ ومنضم بعضه ببعض ، أو ملقى بعضه فوق بعض يمطرنا الساعة . وقيل : إنّه بيان لغاية لجاجهم وعنادهم ، والمراد أنّهم في اللّجاج والعناد بحيث لو أسقطنا عليهم قطعة من السماء حسبما قالوا : ( أو تسقط علينا كسفا من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم ) ولم يصدّقوا أنّه كسف من السماء ساقط عليهم لتعذيبهم « 1 » . فإذا كان لجاجهم وعنادهم إلى هذا الحدّ فَذَرْهُمْ واتركهم على حالهم ، ولا تتعب نفسك بالاصرار على دعوتهم حَتَّى يُلاقُوا ويعاينوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ويهلكون بالعذاب ، أعني يَوْمَ لا يُغْنِي ولا يكفي في دفع العذاب عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ ومكرهم وتدبيرهم شَيْئاً من الإغناء وَلا هُمْ من جهة الغير يُنْصَرُونَ ويحفظون من العذاب . ثمّ بيّن سبحانه أنّه لا يقتصر في حقّ المصرّين على العناد واللّجاج على عذاب الآخرة ، بل لهم في الدنيا عذاب أخف من عذاب الآخرة بقوله : وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا على أنفسهم بالإصرار على الكفر والعناد ، وعلى اللّه تعالى بتضييع حقّ ربوبيته ونعمته ، وعلى الرسول بتكذيبه وكفران نعمة هدايته .
--> ( 1 ) . تفسير الصافي 5 : 82 ، تفسير الكشاف 4 : 415 .